كم شعورٍ سامني البوحُ بهِ



"لِمنِ القَلبُ المُعنَّى وبمَن         فأرَى وَجداً شَديداً وشَجَن 
إنَّ في القَلبِ أُمُوراً لا أرَى         خالِياً مِنها علَيها مُؤتَمَن
وأَحاديث إِذا هَمَّ بِها                    مَدمَعي قالَت له لا تَفعلَن"


جلستُ أمامها، تتفحص عيني بتساؤل لا تعلم له إجابة -أو تعلمها ولكن تخشاها-، تتنهد بين الحين والآخر، تلقي شتيمة مقتضبة خافتة الصوت لا تعلم مَن متلقيها ولكنها متأكدة من أنه يوجد أحد. تسألني بعدما كلت من صبرها عمّا أشعر به؟ لم أتنهد حين الإجابة، بل حبست الهواء في صدري عنوة، هززت رأسي يمينًا ويُسرة أطرد بذلك شتاتي وأجبت بأنني لا أعلم عن حقيقة ما أشعر به حالًا، فالأصوات بداخلي متداخلة ومتضاربة، لكنني متأكدة من شيء واحد بس. اتسعت ابتسامتها، لم تدرس العلاج النفسي قط، لكنها تؤمن أن اكتشاف جزء من المشكلة يساهم في حلها، لكنها تلاشت فور أن نطقت: ضائعة.

 تهوى والدتي ترديد تلك القصة التي كانت تتكرر بكثرة وأنا ذات عدة أعوام، في ظل انشغالها في أعمال المنزل، أو القراءة، تنتبه لتتفقد أطفالها، تقول أن هند -أختي الكبرى- تلعب أو تذاكر بهدوء، بينما ساره تلهو في إحدى حاجياتها، بينما أنا، جسدٌ صغير، لاصق أمام شاشة التلفاز لا يفصله عدد المترات المسموحة له، يبكي بصوت هادئ، ينتحب على سالي. تأتي والدتي خائفة، تسألني عمّا بي، فأحلف عليها أن تطلب من والدي يأتي بسالي عندنا المنزل لنرعاها. تضحك وسط مشهد كنت أراه معضلة حياتية لا سبيل لها، فكيف أنقذها من الوَجع؟ رغمًا عن أني لا أعرفه بصورته الفعلية، في ذلك العمر على الأقل..

 أتذكر خالي وأنا ذات الثامنة عشر، يحكي لي إحدى قصصه التي حصلت له في فترة من الفترات، فكان يرى احمرار وجهي أثر غضبي من الموقف المذكور، تعقيدي لحاجبيّ، استئذاني بأن -اشتم- إذا سمح. أو لمعة في عيني تتلألأ في لحظة شاعرية ما في منتصف الحديث، أو تصفيقي كجمهور على أثر نهاية حكايته. كان يضحك ويسعد، يمسك وجهي بين كفيه ويخبرني بأن أحافظ -جاهدة- على هذا القلب الحيّ والحسّاس. كنت أعتقد أن امتلاكي لقلب حاضر دائمًا هو أمر جيد، في طفولتي ومراهقتي، حتى تكالبت علي المشاعر، والأحاسيس، ودقات القلب المتكررة إثر تصرفات لا يجب أن يكون لها هذا القدر من التأثير الفعلي، لكنه -وبلحظةٍ ما- وعلى أثر وصيةٍ ما، أراه يضطرب. 

"والآن جئتك والسنين تغيرت     وغدوت وحدي في دجى الأيامِ
وأسير وحدي والحياة كأنها            نغمات حزنٍ صامت بفؤادي
طال الطريق وبالطريق حكاية     بدأت بفرحي وانتهت بسهادي"

تتراوح الأيام بي،  أكتب وأمسح، أريد أن أعبر وتخنقني أمورٌ كثيرة، كنت قبل عدة أيام لا أفهم ما حل بي، وحاولت فهم ما جرى وتراءيت بعض الحلول التي وجدتها -في ذاك الحين- منطقية، أنا التي أرى أن الحب انفعال هرموني لا علاقة له بعضلة تُسمى قلب.. طبّقتها، وسرت عليها بخطًى واثقة، لكن في أثناء ذلك، أرهقني شيءٌ ما، شيءٌ أسميهِ قلبي! شيءٌ أسميهِ إحساسي! شيءٌ أسميه شعوري! كان له صوت مختلف، لا يعرف المنطقية، أتذكر آخر مرة هتف، كان حزنًا على سالي، وآخر مرة ثار، كان على حكاية خالي، وبقي متمسك برهافته لطالما، خشية أن يفقد ما فقد من اتزان شعوري يتغنى به، من جمعه لتضاد المنطقية والعاطفية في آنٍ واحد؛ أو مثلما كان يعتقد هو.. لكن؟ ليته فقد. 
إن أيامي هذه صعبة لا بطبيعتها هي، فهي عادية معتادة، وإنما بطبيعتي أنا، وقلبي المُعنَّى، الذي يُصر على أن يشعر دائمًا بكل ما هو حوله، أن يفرح كما يجب، ويحضر كما يجب، ويعرف كما يجب، أن يتعمق ويتوغل حتى يتوه، برمالٍ متحركة لم يكن يراها إلا برُ أمان.
ثمة شيء مقلق في اكتشافك لحقيقة لا تقبل التغيير، الحقيقة التي تُوسم على أيسر صدرك ولم تكن تعلم بوجودها في حينٍ ما، لكنك تفاجأت، بل ذُهلت، بل شحب لونك ومرضت حين علمتها.. وبت في قلقٍ خائف، كأنها مكتوبة على جبينك كمسيحٍ دجّال يبصر المؤمن لفظة كافر عليه، أما أنت؟ فجميع من يلقاك يغمض عينيه عنوة على أثر كل هذه الخيبة الساطعة منك.. 
أكتب لأنه يُقال أن الإنسان يتشافى إذا حاول البوح بما يشعر؛ رغمًا أنه لا يخفاني هذا الكم من الألغاز التي أضعها على هيئة جُمل أدّعي أنني أبوح بها بما -يذبحني- حالًا، لكن ما ضير من المحاولة؟ لا شيء. وبرروا علماء النفس فكرة التشافي بالبوح أن الإنسان يشعر بثقل ما حل به إذا استأثر حمله لوحده، لكن في حال باح بشيءٍ منه، هنا وكأنه نقل جزء من هذا الحمل لشخصٍ آخر، بالتالي خف عليه ثقله، وشرحوا هذا الحمل بلفظة "شاهد" أي أن الإنسان حين حل به ما حل كان هو الشاهد الوحيد على ما جرى، فبالتالي يتمسك محتفظًا بالحاصل لمسؤولية ما استُشهد عليه من همٍ أوجعه، لكن حين ينقل ما حدث فهنا يُصبح لما يكسر ظهره شهود آخرين غيره هو -صاحب المسغبة- وما أشار لهم أبو مدين التلمساني في قصيدة تملَّكتموا عقلي بـ "سهادي ووجدي واكتئابي ولوعتي وشوقي وسقمي واصفراري وأدمعي"، مما يساهم بالضرورة بالتخفيف عن كل تلك الأحمال، مما يؤدي إلى الشفاء.. ولا أومن بحقيقة كتلك، لكنني أطبقها -لأرى- بالأخص أني لم أعد أؤمن بشيء، فقدت إيماني كافة، بالأشياء والأشخاص وأنا.. حتى تفضيلاتي لا أعلم إن كانت فعلًا هي مفضلة لي! حتى من أكره، لا أعلم إن كانوا يستحقون كرهي هذا؟ فكيف حكمت عليهم بالكره؟ بناءً على ماذا؟ إذ أن من أُحب، خذلوني، واكتشفت أنني وحدي في مركب لا أعلم له ربان ولا وجهة، فعلى الصعيد الآخر أكيد أن كل مشاعري الأخرى محض كذبة! وحياتي، وقراراتي، وكل شيء. هكذا وهكذا وهكذا في دوامة تردني لحقيقة واحدة فقط، حقيقة مقلقة، لا تقبل التغيير، موّسومة في أيسر الصدر.


يقول مفرج المجفل " آخر حاسة يفتقدها الإنسان عند الموت هي حاسة السمع؛ لأن كل منا يعيش وهو ينتظر كلمة من -المحتمل- أن يحيا بها"

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة