لا مَفر: عن الحب وانفعالاته البيولوجية
أردد دائمًا أنني سيئة في التعريف عن ذاتي، أرفع كتفيّ بلا مبالاة واضحة مخبرة بأن ليس لدي ما أقول، فأنا هي أنا. تخبرني بأعين مترقبة: رائع، من أنتِ؟ أجيبك بذات اللا مبالاة: حصة. تتسع بؤبؤ عينيك بطريقة ألحظها لتكمل: من هي حصة؟ أرتاح للعبة التي بُدأت للتو: من أي ناحية؟ بصبرك المعهود تكمل: مثلًا، وش تحبين؟
تلحظ اطمئناني عبر لغة جسدي، وتستمع إلي منصت وأنا أتحدث: الحديث يطول عمّا أحب، ليتك لو تسألني عن شيء أستطيع الانتهاء من حديثي عنه في غضون دقائق. مثلًا عن ارتباط الانفعالات العاطفية بالهرمونات والتي يحرِّكها في المقام الأول العقل لا القلب، أما حديثي عمّا أحب فسيطول؛ أنا أحب الأشخاص أجمعين، والأشياء بعمومها.
التمست تهربي لتُكمل: رائع، جدًا رائع.. وكيف يكون للانفعالات العاطفية صلة بالعقل بشكل مباشر لا القلب؟
ــــــــــــــ
عندما نتحدث عن العلاقة بين الانفعالات العاطفية والعقل بشكل مباشر، فإننا ندخل في صلب علم الأعصاب الذي يوضح أن الدماغ هو المقر الرئيسي لكل من -العواطف والتفكير المنطقي- على حدٍ سواء، ولم يعد يُنظر إلى القلب على أنه مركز المشاعر، بل هو عضو حيوي لضخ الدم فحسب.
كانت جمانة¹ مهيج أساسي لقولوني، كونها في دوامة تباكي مستمرة على جاسر الذي لا أعلم حتى يومنا هذا مالذي كانت ترى به، أخبرها دائمًا أن هناك ارتباط بينها وعين الأم، تستلقي بعشوائية منهكة على الأريكة، أنفها محمر من شدة البكاء، تخبرني متساءلة: وجاسر هو القرد؟ لأغرق بضحكي متناسية أن قلبًا ما هنا كان وقد كُسر. إن الآلام العاطفية تختلف عن الجسدي منها، على الأقل في توقعاتنا الخالصة، العجيب أن العقل لا يبصر هذا الفارق الحسّاس؛ حيث أنه مُهيئ على أن يكون الألم الذي يُولده جاسر في جمانة هو ذاته الذي ينشأ حين يجرح السكين إصبعك، فصّل دكتور الأعصاب دين بِرنيت أجزاء المخ بطريقة مختصرة، قسم بها المخ على جزئين -نحتاج هذا الاستطراد كونه سيساعدنا في تغيير نظرتنا لجمانة في القسم اللاحق من المقالة- وذكر أن المخ عبارة عن مناطق تتحكم بالجوانب الأساسية فينا كبشر، والمنطقة الأولى من المخ وهي (جذع المخ) و(المخيخ) وتُلقب بالمخ البدائي كونها تتصرف وكأن البشر كائنات بدائية فمثلًا إذا رأيت شبح عباءة ستفزع، حيث أن هذا الجزء من المخ يتصور الأمور بهذه الطريقة، لتأتي بعدها القشرة الحديثة للمخ للتعامل مع الإشكالات كما نتعامل معها كبشر معاصرون، فتستوعب حين إذن أن شبح العباءة ليس إلا انعكاس بالون لحفلتكم البارحة.
بالتالي لدينا الآن تصور مبدئي حول مناطق المخ وكيف لها أن تعمل، نستكمل بمثالٍ آخر يخبرنا كيف أن المخ يعالج المدخلات الحياتية بطريقته الخاصة لنبصر من خلاله وعينا إتجاه كل الأشياء. لدينا عالمان وهما أندرياس بارتيلز وسمير زكي وهما باحثان في مجال علم الأعصاب، وقد قاما بعدة دراسات مهمة حول الأساس العصبي للحب، باستخدامهم لتقنيات مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لفحص مناطق الدماغ التي تُنشَّط أثناء تجربة هذه المشاعر. قام بارتيلز وزيكي بتعريض أشخاص يصفون أنفسهم أنهم في حالة حب، وفي تلك اللحظة ظهر نشاط مرتفع في شبكة من مناطق المخ والتي تتضمن (الجزيرة الوسطية والقشرة الحزامية الأمامية والتلفيف الحزامي والبطامة)، كما لاحظوا انخفاض في (القشرة الحزامية الخلفية وفي اللوزة).
ولمزيدٍ من الإيضاح، فالقشرة الحزامية الخلفية:
ترتبط بإدراك المشاعر المؤلمة، وتقييم التهديدات، والتأمل السلبي. عندما ينخفض نشاط هذه المنطقة أثناء تجربة الحب، فهذا يشير إلى أن الدماغ يقلل من معالجة المعلومات التي قد تثير الوَجع. وفي سياق الحب، حيث يسود الشعور بالأمان والقبول، يصبح هذا الانخفاض منطقيًا.
اللوزة:
تُعرف اللوزة بأنها مركز رئيسي في الدماغ لمعالجة المشاعر السلبية، خاصة الخوف والقلق، وتُنشَّط مع الأشياء السلبية أو المحفزات التي تشير إلى خطر. وهذا ما يبرر سبب انخفاض نشاطها أثناء ذكر الحبيب أو التفكير فيه؛ فالحب غالبًا ما يُصاحب بشعور بالأمان والثقة، مما يقلل من الحاجة إلى استجابات الخوف أو اليقظة المرتبطة بالتهديد. هذا الانخفاض في نشاط اللوزة يعكس حالة من الراحة النفسية والتقليل من التقييمات السلبية أو الدفاعية تجاه الشريك.
إن ملاحظة بارتيلز وزيكي لارتفاع النشاط في مناطق المكافأة والتعلق (الجزيرة الوسطية، القشرة الحزامية الأمامية، التلفيف الحزامي، البطامة) وانخفاض النشاط في مناطق معالجة المشاعر السلبية والتهديد (القشرة الحزامية الخلفية، اللوزة) تقدم صورة متكاملة للأساس العصبي لما يفعله الحب. فهذه العملية توضح كيف أن الحب لا يعزز فقط المشاعر الإيجابية والارتباط، بل يقلل أيضًا من المشاعر السلبية والتقييمات النقدية، مما يمهد الطريق لتكوين روابط عاطفية قوية ومستدامة ويجعلنا نفهم أن تجربة الحب ذات مستوى بيولوجي ليس فقط عاطفي، وهي تجربة تؤكد ما يُقال "فلا خوفٌ وأنت أمان قلبي ولا سقمٌ وأنت لي الطبيب.. ولا حزن وأنت سرور قلبي ولا سؤلٌ وأنت لي الحبيب"
والآن بعد الحديث عن مناطق الدماغ وتفاعلتها، ننتقل إلى النواقل العصبية "الهرمونات" التي تلعب دورًا رئيسيًا في إثارة وتشكيل هذه المشاعر المعقدة، مبررين في ذلك مفهوم أن الحب ليس شعور محض، بل هو تفاعل كيميائي حيوي معقد في أدمغتنا، تتدفق فيه مجموعة من الهرمونات والنواقل العصبية، كل منها يساهم في جوانب مختلفة من التجربة مثل:
يُضخ هذا المزيج من الهرمونات بتناغم لخلق تجربة حقيقية عن الحب، العجيب والرائع في الأمر أنه على خلاف ما ذُكر فأن في حالات الانفصال الجسد يتعامل معه على أن ليس مجرد تجربة عاطفية، بل تأثيرات بيولوجية وفسيولوجية حقيقية على الجسم نابعة من الدماغ، غالبًا ما تكون مشابهة لأعراض الانسحاب من الإدمان، يبدأ بانخفاض مفاجئ وحاد في هرمون الدوبامين مما يسبب شعورًا بالحزن واليأس وانعدام ما كان يُستلذ به سابقًا، ويصاب المخ (الحبيب) بهذه الحالة كونه فقد المسبب (المحبوب) الذي اعتاد أن يقتات على جرعة الدوبامين منه، كما هرمون (الأوكسيتوسين والفاسوبريسين) وهي الهرمونات مسؤولة عن الترابط وهذا النقص يساهم في الشعور بالوحدة، ويعزز من الرغبة بالعزلة، وفقدان الأمان والراحة التي كانت توفرها العلاقة.
وعلى الضفة الأخرى فإن الهرمونات المسؤولة عن التوتر ترتفع كهرمون (الكورتيزول) ويكون ارتفاعه استجابةً للضغط النفسي الناتج عن الانفصال. وعليه يسبب مشاكل في النوم كالأرق أو النوم المتقطع، ومشاكل في الجهاز الهضمي كتغيرات في الشهية (فقدان الشهية أو الإفراط في الأكل) كما يسبب إفراز هذا الهرمون إلى ضعف الجهاز المناعي مما يجعل الشخص أكثر عرضة للأمراض.
جمانة، أنا آسفة.. إن نواتجنا العاطفية ماهي إلا تفاعلات داخلية حيوية يخبر العلم أنه اكتشف حقيقتها، وأخبر أنا أنني علمت الآن فقط لما جاسر الذي كان جذاب بعين جمانة فقط خلف منها هذا الدمار، وأن الحب هو عملية أعمق من أن يعيها أي محفز خارجي، بل حتى المحبوب قد لا يتمكن يومًا من تحليل ما يحدث، وحده العقل، أو المخ، أو الدماغ -على اختلاف مسمياته- هو القادر على فهم ما يجري وخلق انعكاس على ذواتنا أثرًا له.
يقول فاروق جويدة في قصيدة بقايا بقايا متسائلًا:
"لماذا أراك على كل شيءٍ كأنكِ في الأرضِ كل البشر
كأنك دربٌ بغير انتهاءٍ وأني خلقت لهذا السفر..
إذا كنت أهرب منكِ إليك.. فقولي بربكِ.. أين المفر؟"
لم يكن يعلم فاروق أن محبوبته غُرست في حنايا عقله، فهو في انعكاس لدوامة بيولوجية عاطفية لا انفكاك عنها؛ فكيف يهرب المرء مما أصبح جزءًا لا يتجزأ من كيميائه الحسية؟ إنه صراع بين رغبة العقل الواعي بالتجاوز، وبين العقل البدائي الذي لا يعلم من هذه الدنيا سوا صورة محبوبه.
¹ لا توجد في حياتي إنسانة تُلقب بجمانة، بل لم أعرف قط إنسانة بهذا الاسم، لكنها ستكون (كود) استخدمه لتجنب الحرج الاجتماعي. أسفة مقدمًا لجمانة الحقيقية.
المراجع
كتاب دن بِرنيت المخ الأبله.
Bartels, A., & Zeki, S. (2000). The neural basis of romantic love
إذا قرأت هذه الأحرف، فهذا يعني أنك قد انتهيت من قراءة هذه المقالة أعلاه، وإذا كنت قد انتهيت من قراءة المقالة فاعلم أنك ستعود لها ذات يوم لا محالة كما عدتُ إليها الآن، لم؟ لأن حـصـه قد نفثت تعويذتها بين كلماتها عندما عقدت عقدها العذبة بين هذه الأحرف لتخبرك بأن حصه قد مرت من هاهنا.
ردحذفيا للسرد!
ردحذفمُتعة مُتعة.
إنت حقيقية والا فوتوشوب.
ردحذفسؤال واحد من الثمانينات.
جاسر وجمانة أتعبوني لأن جمانة أختي التي أحبت وأخلصت لزوج قتلها في انهاية بافتعال حريق.
وقال إن هذا كان بسبب السحر
لعنه الله بكرة وعشيا